ابراهيم بن عمر البقاعي
108
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
الناس إنه يريد نكاح زوجة ابنه « 1 » ، وكان في إظهار ذلك أعلام من أعلام النبوة ، وكان مبنى أمر الرسالة على إبلاغ الناس ما أعلم اللّه به أحبوه أو كرهوه ، وأن لا يراعي غيره ، ولا يلتفت إلى سواه وإن كان في ذلك خوف ذهاب النفس ، فإنه كاف من أراد بعزته ، ومتقن من أراد بحكمته ، كما أخذ اللّه الميثاق به من النبيين كلهم ومن محمد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكان من المعلوم أن التقدير : اذكر ما أخذنا منك ومن النبيين من الميثاق على إبلاغ كل شيء أخبرناكم به ولم ننهكم من إفشائه وما أخذنا على الخلق في كل من طاعتك ومعصيتك ، عطف عليه قوله : وَإِذْ تَقُولُ وذلك لأن الأكمل يعاتب على بعض الكمالات لعلو درجته عنها وتحليه بأكمل منها من باب « حسنات الأبرار سيئات المقربين » ، وبين شرفه بقوله : لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ أي الملك الذي له كل كمال عَلَيْهِ أي بالإسلام وتولى نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم إياه بعد الإيجاد والتربية ، وبين منزلته من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أي بالعتق والتبني حين استشارك في فراق زوجه الذي أخبرك اللّه أنه يفارقها وتصير زوجتك : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ أي زينب وَاتَّقِ اللَّهَ أي الذي له جميع العظمة في جميع أمرك ولا سيما ما يتعلق بحقوقها ولا تغبنها بقولك : إنها تترفع عليّ - ونحو ذلك وَتُخْفِي أي والحال أنك تخفي ، أي تقول له مخفيا فِي نَفْسِكَ أي مما أخبرك اللّه من أنها ستصير إحدى زوجاتك عن طلاق زيد مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ أي بحمل زيد على تطليقها وإن أمرته أنت بإمساكها وتزويجك بها وأمرك بالدخول عليها ، وهو دليل على أنه ما أخفى غير ما أعلمه اللّه تعالى من أنها ستصير زوجته عن طلاق زيد لأن اللّه تعالى ما أبدى غير ذلك ولو أخفى غيره لأبداه سبحانه لأنه لا يبدل القول لديه ، روى البخاري عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه أن هذه الآية نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة رضي اللّه عنهما « 2 » . ولما ذكر إخفاءه ذلك ، ذكر علته فقال عاطفا على « تُخْفِي » : وَتَخْشَى النَّاسَ أي من أن تخبر بما أخبرك اللّه به فيصوبوا إليك مرجمات الظنون لا سيما اليهود والمنافقون وَاللَّهُ أي والحال أن الذي لا شيء أعظم منه أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ أي وحده ولا تجمع خشية الناس مع خشيته في أن تؤخر شيئا أخبرك به لشيء يشق عليك حتى
--> ( 1 ) إسناده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان ، والقول إن كان من زين العابدين فهو مرسل ولا شيء أما إن رواه عن أبيه عن جده وهذا محتمل فأمر آخر . تنبيه : وقع في نسخة « المعالم » للبغوي علي بن زيد ، وهو الصواب . انظر معالم التنزيل للبغوي 3 / 458 . ( 2 ) أخرجه أحمد 3 / 150 والبخاري 4787 و 7420 عن أنس رضي اللّه تعالى عنه .